محمد حسين بن بهاء الدين القمي
19
توضيح القوانين
من حمل اللفظ على المعنى الذي يتبادر عندهم كلما استعمل فيه سواء كان حقيقة أو مجازا مشهورا فالمعيار في الانفهام هو التبادر ومجرد الاعتقاد بكونه حقيقة في الصورة الأولى وكون تبادرها من جهة نفس اللفظ مع قطع النظر عن الشهرة ولو بانضمام أصل العدم فيما لو احتمل وجودها واختفائها عنه وكونها مجازا مشهورا في الثانية وكون تبادرها مع ملاحظة الشهرة ليس من الفرق الذي يثمر ثمرة في الاحكام بل هو مجرد اصطلاح وتوضيح الجواب ان الفرق واضح والثمرة ظاهرة فان الحقيقة الأولية في الأولى مهجورة وفي الثانية غير مهجورة فيحمل اللفظ المجرد عن القرينة بمحض وروده في الكلام في الأولى على المعنى الذي صار اللفظ « 1 » بوضع تخصيصى بخلاف الصورة الثانية فلا بدّ فيها من التوقف مع ملاحظة الشهرة والحمل على المعنى الحقيقي مع قطع النظر عن ملاحظتها فمن ذلك ظهر وجه السؤال الثاني أيضا وفي الصورتين إذا أريد من اللفظ معناه الحقيقي الأول لا بدّ من نصب القرينة للانفهام لان الحقيقة الأولية في الثانية وان لم تكن مهجورة ولكن لاحتياجها في الانفهام إلى القرينة في حكم المهجورة والجواب هو ما ذكره الأستاذ المحقق من الفرق بين القرينتين في الصورتين أولا وعدم احتياج إلى القرينة في الصورة الثانية وبتنزيلها منزلة الاشتراك في الاحتمال والتوقف ثانيا فتدبّر جواز صحة السلب وعدمه قوله دام ظله العالي قولهم للبليد ليس بحمار وعدم جواز ليس برجل فمن جواز سلب المعاني الحقيقة للحمار عما استعمل فيه الحمار اعني البليد يعلم أن استعمال الحمار في البليد مجاز ومن عدم جواز سلب المعاني الحقيقة للرجل عما استعمل فيه الرجل اعني البليد يعلم أن استعماله فيه على سبيل الحقيقة قوله دام ظله العالي احترازا عن مثل قولهم للبليد ليس بانسان الخ فإنه يصحّ سلب جميع المعاني الحقيقية للانسان عن البليد مع استعماله فيه ولما زاد في نفس الامر احتراز عن مثل ذلك فان سلب المعاني الحقيقية بعنوان الحقيقة ولا ريب ان صحة سلب المعاني الحقيقية للانسان عن البليد ليس بعنوان الحقيقة ولما يمكن ان يتوهّم ان الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز فالقيد لا بدّ منه قال دام ظله العالي والأصل في الاستعمال الحقيقة اى فيما علم الحقيقة والمجاز ولم يعلم المستعمل فيه وهذا منه كما لا يخفى ولكن قد أورد هنا اشكال بالمجاز المستعمل في الجزء أو اللازم المحمول كالانسان في الناطق أو الكاتب إن كان ذات ثبت لها النطق والكتابة ولا ريب ان الاستعمال في كل منهما حقيقة وعدم صحة السلب علامة لها وإن كان المراد منهما المعنى المصدري اعني النطق والكتابة فاستعماله في كل منهما وإن كان مجازا ولكن بعد ادّعاء كونهما موجودا واحدا واطلاقه عليه من باب الحمل الذاتي كما هو مناط الحمل في المجازات كلها فح لا يصحّ السلب أيضا كما لا يخفى وسيجئ في مبحث العام والخاص ما يرشدك اليه فتدبّر قوله دام ظله العالي باستلزام الدور المضمر بواسطتين أقول أقل ما يتحقق فيه الدور المضمر لا يكون الا بواسطتين لان توقف الشيء على ما يتوقف عليه اما بمرتبة فهو دور مصرّح أو بمرتبتين أو بمراتب فهو دور مضمر فقوله بواسطتين لاخراج المضمر بوسائط لا لاخراج الدور بواسطة واحدة لأنه يخرج بلفظ المضمر فلا تغفل قوله دام ظله العالي فان كون المستعمل فيه مجازا لا يعرف الا بصحة سلب جميع المعاني الحقيقة أقول المط ان هذه المقدمة غير احتياج إليها والا لكان الدور المضمر بوسائط وهو خلاف تصريحه بواسطتين بل هي عين المقدمة الشرطية الأخيرة التي يدعى المورد بطلانها وهو قوله ولو أثبت كونه مجازا بصحة السلب لزم الدور المذكور وتمامية معنى الدور المذكور بدون تلك المقدمة يرشدك إلى ما قلناه وكذا المقدمة الأولى في بيان الدور المضمر في جانب عدم صحة السلب لما كان هو سلب جميع المعاني الحقيقية لان سلب البعض لا يفيد لجواز كون المعنى المستعمل فيه ليس من المعاني الحقيقية وهو موقوف على العلم بأنه من المعاني المجازية وهو موقوف على صحة السلب وهو دور فليتأمل قوله دام ظله العالي وهو موقوف على معرفة كونه مجازا اى العلم بكون المستعمل فيه ليس من الحقائق موقوف على العلم بكونه مجازا وإن كان مع قطع النظر عن العلم المذكور أحدهما مستلزم للآخر لا متوقف عليه فلا يروج ما يقال غاية الأمر هنا الاستلزام لا التوقف هكذا افاده دام ظله العالي هذا ولكن قال التفتازاني انا نقطع بأنه يصح العلم بان الانسان ليس شيئا من المعاني الحقيقية للأسد وان لم يعلم استعماله فيه فضلا عن أن يكون مجازا انتهى كلامه أقول كان نظر التفتازاني إلى حصول هذا العلم لنا عرفا وهو كذلك وبه يندفع الدور أيضا وبالجملة طريق معرفة الأول لا ينحصر في معرفة الثاني كما هو مناط في التوقف لجواز حصول العلم بالأول عرفا فليتأمل قوله دام ظله العالي
--> ( 1 ) حقيقة فيه